رحلة محمود مع الأمل داخل وحدة الكسورة المعقدة في غزة

تعرض محمود، 31 عاماً، لحادث انفجار. بالقرب من متجر الدجاج الخاص به في مدينة غزة في صيف 2021م—بعد شهرين من العدوان الاسرائيلي في مايو من ذات العام—وتسبب الانفجار بتدمير متجره وإصابة ساقه بجروح خطيرة نُقل على إثرها لمستشفى الشفاء بوسط غزة وكشفت صور الأشعة تعرضه لـ30 كسراً في ساقه.

تم الحفاظ على الجزء الأسفل من ساق محمود عبر مثبت خارجي للسيطرة على كسور العظام وعبر وضع مثبت (لوح) داخلي في الجزء الأعلى من قدمه لتفادي أي مضاعفات وتجنّب الحاجة للبتر، كما واجه محمود خطر تهتّك الأنسجة العصبية في ساقه إلا أن الأطباء أجروا له عملية جراحية جنّبته ذلك.

اقترح الأطباء بتر ساق محمود بعد بضعة أسابيع من العلاج وأصبح محمود أمام الإختيار بين البتر أو إجراء عدة عمليات جراحية مؤلمة ومعقدة ومكلفة—مع ما قد يرافق إطالة الساق من مخاطر مثل التهاب العظام وتضرر الأنسجة العصبية. في المرّة الوحيدة التي وافق فيها محمود، وهو مريض بالسكريّ، على بتر ساقه كان مستوى السكر لديه مرتفعاً والذي على إثره ألغى طبيب التخدير وزملاءه العملية.

يذكر محمود رحلة علاجه بقوله: "كيف كان لي أن أوافق على البتر؟ الأمر صعب للغاية. قررتُ تلقّي العلاج في مستشفى الشفاء لثلاثة أشهر وبعدها سافرتُ لمصر لمزيد من العلاج"، حيث خضع خلال علاجه في مصر لستِّ عمليات جراحية خلال سبعة شهور قبل عودته لغزة. وشملت تلك العمليات وضع مثبّتات خارجية على الجزئين الأعلى والأسفل من ساقه وإجراء رقعةً جلدية وتنضيراً للعظام وتركيب مثبّت (لوح) داخلي لعظم الفخذ وإطالة لساقه.

الشقاء في رحلة الشفاء

استمر محمود في الشعور بالألم بعد العمليات الجراحية ولم يستطع شراء الأدوية المكلفة التي احتاجها: "كنتُ أحياناً أتحمّل الألم"، وزادت معاناته خلال فصل الشتاء مع زيادة الحساسية العصبية الناتجة عن وجود مثبّت (لوح) داخلي، وهو ما حاول التعامل معه عبر التزامه السرير لمعظم الوقت: "كنتُ أشعر كأني أتعرض لصدمات كهربائية وكان الألم شديداً. كنتُ أستطيع النوم لساعتين أو ثلاثة فقط في اليوم الواحد."

تم تحويل محمود لوحدة الكسور المعقدة في مستشفى ناصر، وهي وحدة تقوم جمعية ماب بدور رئيسي في دعم خدماتها، حيث خضع محمود هناك لعملية جراحية استمرت لستِّ ساعات على يدي د. محمود مطر—أحد أكبر الجرّاحين المختصين في إعادة بناء الأطراف في غزة—وتحسّنت حالته بشكل كبير على إثرها وأصبح قادراً على وضع ساقه على الأرض والمشي من جديد.

 تم وضع مثبّت خارجي جديد على ساق محمود لتمكين نمو نسيجٍ عظميٍ جديد ولكي يستطيع الجرّاحون تحريك العظام بشكل دقيق يحقق محاذاتها التشريحية الصحيحة، واستطاع العودة للبيت بعد ذلك إلا أن حياته كانت قد تغيّرت: "المثبّت غير مريح أبداً فهو مركب في ساقي مع ثلاث مسامير تحت رُكبتي تخترق جلدي إلى عظامي وعلى بُعد 5سم من بعضها البعض. عندما كان الكسر في كاحلي تم تركيب ثلاث حلقات لي وتثبيتها بإطارٍ يشبه حذوة الحصان. اخترقت قدمي حتى الآن أكثر من 10 مسامير وهو ما يحرمني الراحة أثناء محاولة النوم في الليل. كان لدي ثلاث كيلوغرامات من المعدن في ساقي."

"اعتدتُ الأمرَ بعد فترة ولكن الجروح المفتوحة تتطلب مني ألا أُعرضها للبلل ولذلك أقوم منذ شهور بوضع كيسٍ أسود حولي ساقي أثناء الاستحمام. واستعملتُ عكازات لمساعدتي على المشي لفترة طويلة، وكان ارتداء الثياب مسألة صعبة واحتجتُ أن تُعدَّل بناطيلي لكي تناسب وجود الإطار."

قامت زوجة محمود بتعديل بعض بناطيله وأضافت لها سحّابات من أجل تغطية المثبّت وحمايته مع قدم محمود من البرد والغبار والبكتيريا، كما تعتني زوجته به بشكل جيّد خلال هذه المرحلة الشاقّة من حياته. يُضطر محمود لإيقاظها من النوم لمساعدته على الوصول إلى دورة المياه ويرتكز عليها حين لا يستطيع استعمال عكازات المشي الخاصة به.

كما عبّر محمود عن امتنانه لطبيبه د. محمود مطر والطاقم الطبي في وحدة الكسور المعقدة: "كنتُ سعيداً للغاية بتحويلي للطبيب محمود مطر وأنا ممتنٌ له لأني لا أعتقد أنني كنت سأحصل على هذا المستوى من الرعاية المتخصصة في مكان آخر. لم يحصل ولو لمرة أن تَعجّلَ في صنع قرار ودائماً ما أصغى لي وأجاب على أسئلتي وطمأنني في كل شيء كان يقوم به. أنا ممتنٌ كثيراً له ولفريقه فقد كانوا رائعين. أنا أتحسّنُ اليوم بفضله وأستطيع المُضيَّ في حياتي من جديد."

التطلع للأمام دون حدود

لازال يواجه محمود فرقاً في طول ساقيه فإحداهما أقصر من الأخرى بـ12سم ولكن حالته لم تعد تمنعه من ممارسة أنشطة حياته اليومية—خاصةً الذهاب لدورة المياه والاستحمام—كما أنه بدأ بالمشي قليلاً على ساقه وأحياناً دون الحاجة لعكازيه، واستعادَ اليوم استقراره واستقلاله: "أسكنُ في الطابق الثالث واعتدتُ سابقاً أن أصعد الدرج في ثوانٍ قليلة—درجتين درجتين"، وهو سعيدٌ اليوم أنه يستطيع صعود الدرج على الأقل دون الاعتماد على الآخرين.

تأمل محمود بالحصول على عملية جراحية أخرى خلال زيارة وفدٍ ماب من جرّاحي الكسور المعقدة في فبراير 2023م إلا أن عدد المرضى من ذوي الحاجة لعمليات إعادة بناء الأطراف كان أكبر بكثير من عدد الجرّاحين —حتى بالرغم من مناوبتهم لـ12 ساعة خلال الليل والنهار—وأُجلت العملية الجراحية الخاصة بمحمود حتى زيارة وفد لاحق كان موعدها في مايو ولكت تم إلغاءها على إثر العدوان الاسرائيلي الأخير على غزة.

خاض محمود رحلة علاج طويلة ومضنية وهي لم تنتهِ بعد فلازالَ بحاجة لترقيع عظام حيث سيقوم د. محمود مطر بأخذ عظام من ضلوعه لزرعها في ساقه من أجل سدِّ الفجوة الموجودة حالياً وربما قد يحتاج أيضاً لإجراءٍ آخر لإطالة ساقه.

ولكن محمود حتى الآن مستمتع بقدرته على القيام بالأنشطة التي يحب دون المعاناة من ذات القدر من المشقة: "أريد فقط أن أؤمّن مستقبل أطفالي. هذه الإصابة أثّرت عليَّ بشكل كبير ولكن هدفي كان دائماً أن أبني لهم بيتاً وأن أوفر لهم حياة كريمة."

نرجو فضلكم في المساهمة في دعم خدمات الكسور المعقدة والرعاية الطارئة والمعقدة في المستشفيات في غزة.

تعمل ماب منذ حوالي عشر سنوات لتحسين خدمات الكسور المعقدة في غزة، ونريد التعبير عن امتنانا للمتطوعين الذين بلغ عددهم 50 ممن جاؤوا من حوالي 18 مستشفى تابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية في المملكة المتحدة (ان. اتش. اس) وقدّموا وقتهم وخبراتهم للقيام بهذا العمل لتحسين خدمات الكسور المعقدة في غزة والذين لما كان هذا العمل ممكناً بدونهم.

صورة: محمود أثناء مكوثه في مستشفى ناصر (المصدر: شركة ريفلكشن ميديا/ماب)

 

 

Stay updated – join our mailing list

* indicates required
Your Interests